الجمعة، 29 يونيو 2012

العلمانية بثوبٍ جديد





قرأت كتاب لتوفيق الحكيم عنوانه (حديث مع الكوكب) .. وهو عبارة عن حوار فلسفى يدور بين الكاتب وبين كوكب الأرض .. يحاول من خلاله أن يحرك العقول لتفحص وتمحص كل ما استقر فى وجدانها من مسلمات .
وقد وجدت ما يعبر عن العلمانية بين ثنايا حديثهما .. فارتأيت أن أجمع كل ما يعبر عنها وأن أضعه لكم فى قالب حديث مع بعض التعديلات والإضافات .
                                       
*الحضارة وليدة العقل المتحرك

الإنسان : هل تعتقد أن الإنسان يمكن أن ينقرض يوماً ؟
الأرض : ممكن جداً .. كل كائن يمكن أن ينقرض ، وقد انقرض فعلاً حيوان مثل الديناصور .. سقط سلاحه وضعفت مقاومته أمام القوى التى حوله تريد ابتلاعه .. وسلاحكم الوحيد أنتم البشر هو جهاز عقلكم المتحرك دائماً بالفكر .
الإنسان : إذن الخطر على الإنسان هو جمود عقله (الأصولية) .
الأرض : بدون شك .. وتاريخ البشرية يشهد بذلك .. إن الحضارة وليدة العقل المتحرك (العلمانية) .. فإذا تجمد هذا العقل وقفت الحضارة ، وبوقوفها تأتى حضارة أخرى وليدة متحركة فتبتلعها .
الإنسان : كل ما يجمد ويقف يتعرض إذن للابتلاع ؟
الأرض : بالطبع .. حتى أنا ذلك الكوكب الذى تعيش أنت على سطحه ، لو توقفت عن الحركة أتدرى ماذا يحدث ؟ أفقد توازنى ولا استطيع أن أقاوم جاذبية الشمس القوية ، وسرعان ما تبتلعنى .

*قوة الحياة تدفعنا نحن البشر نحو التطور

الإنسان : أريد أن أطرح عليك سؤالاً أيها الكوكب ..
الأرض : تفضل !
الإنسان :  ما الفرق إذن بين الإنسان والحيوان ؟
الأرض : إن المعرفة الواعية يا صديقى هى من خصائص الإنسان وحده .. أما الحيوان فليس لديه معرفة واعية .. إذ أن المعرفة عنده مغروزة فى داخله يمارسها دون الحاجة إلى وعى .. فالأعمال الشاقة التى يقوم به النمل فى بناء بيوته وتخزين طعامه ومثابرته وإصراره .. كل ذلك وراءه ولا شك قوة دافعة .. أنها قوة الحياة .
فى حين أن الشك ، أى التفكير فى التغيير شئ خاص بالإنسان وحده ، ولذلك لا توجد تغييرات فى حياة الحيوان .. فهو يعيش فى مجتمعات ثابتة جامدة لا تعرف التطور ..
الإنسان : ولعل من رأيك أيضاً أن الحيوانات والحشرات ليست فى حاجة إلى التطور الاجتماعى وإلا كانت قوة الحياة دفعتها إليه .
الأرض : فعلاً .. وأمامك مجتمع النمل ومملكة النحل .. ما من تغييرات حدثت فيهما منذ الأزل .. ولا أحسبك تتوقع أن تنقلب مملكة النحل إلى جمهورية ومجتمع النمل إلى ملكية !!
الإنسان : ربما ليست لديها مشكلات اجتماعية تدعو إلى ذلك !
الأرض : إن قوة الحياة الكامنة فيها والمغروزة فى تركيبها هى التى تحل لها مشكلاتها .. أما عند الإنسان فإن قوة الحياة تلقى مسئولية مشكلاته على عضلته الخاصة ، التى تسمى العقل الواعى ، وعلى جهاز فكرة المتحرك (العلمانى) .


*العلمانية ضرورة حتمية لبناء الحضارة


الإنسان : حقاً .. إن مسئولية الفكر الإنسانى جسيمة !
الأرض : وحركة هذا الفكر المستمر(العلمانى) هى فرصة الإنسان الوحيدة فى الحياة ..
الإنسان : ولهذا تقاس قيمة الأفراد والشعوب وقوتها بمقدار حركة الفكر فيها ..
الأرض : هذا صحيح .. ولهذا تختفى حضارات وتظهر حضارات ، تبعاً لجمود الفكر أو تحركه ..
الإنسان : تقول تختفى ؟ .. أين تختفى ؟
الأرض : أقصد تبتلع .. لا شئ يختفى نهائياً أو يزول .. ولكن كل شئ ومنها الحضارات إذا ضعفت وجمدت ابتلعتها حضارة أسرع حركة وأقوى معدة ، فتهدم ما عندها من كنوز ، ولا تبقيها إلا نفاية وتتقدم هى متوردة مزدهرة لتحمل عنها مشعل القوة الإنسانية ..
الإنسان : أليست كل حركة مقترنة بالاتجاه ؟ .. فما هو الاتجاه المطلوب لحركة التفكير ؟

الأرض : الاتجاه إلى الأمام طبعاً (العلمانية) .. أى التقدم بالإنسان فى طريق التطور إلى الأقوى والأفضل .. لأن الاتجاه إلى الخلف (الأصولية) هو رجعة إلى موضع سابق مر به الإنسان وتركه ، سائراً مع الزمن المتغير والعصور المتلاحقة .. ولا يمكن للغد أن يصبح الأمس ، إلا إذا انقلبت دورة القمر من حولى ودورتى أنا أيضاً .


*قطار الزمن والعصر


الإنسان : ألا يمكن أن يكون فى ماضى الإنسان شئ ذو قيمة يرى من الأفضل له استعادته ..؟
الأرض : هذا شئ آخر عزيزى الإنسان .. هناك فرق بين الإنسان الراكب فى قطار الزمن والعصر ، ويريد أن يرجع بقطاره كله إلى محطة سابقة يمكث فيها (الأصوليين) .. وبين الإنسان الذى يستعيد من هذه المحطة الشئ ذا القيمة ، وينفض عنه ترابه ويصلحه وينتفع به وهو سائر بقطار الزمن والعصر فى اتجاه المحطات التالية القادمة (العلمانيون)  .


*الوقود الذى يدفع بعجلات القطار نحو الأمام

الإنسان : مادمت قد ذكرت القطار ، فإلى أى مدى يستطيع أن يسير إلى الأمام ؟
الأرض : لا أدرى .. كل ما أعرف هو أنه سيظل يسير ويتحرك بحركة الفكر الخلاق ، هذا هو الوقود الضرورى لتشغيل عجلاته .. فإذا نفذ هذا الوقود وقف ..
الإنسان : إنها لكارثة هذا الوقوف !
الأرض : مادام هناك وقود يدفع العجلات ، فلا خوف .
الإنسان : وكيف نأتى بهذا الوقود ؟!
الأرض : إنه ينبت فى البيئة الصالحة والمناخ الملائم ..
الإنسان : مثل كل نبات طيب .
الأرض : نعم .. بالضبط .. ومثل كل نبات طيب يحتاج فى نموه و إزدهاره إلى الهواء الطلق (حرية التفكير) وإلى ضوء الشمس (العلم) .
الإنسان : وهل هو ينبت من تلقاء نفسه ، أو يزرع ؟
الأرض : قد ينبت من تلقاء نفسه إذا ترك حراً (بلا وصاية عقلية) .. وقد ينبت إذا وجد من يزرعه ، ويأتى له بخير البذور ويسمده بخير السماد (المجتمع المحيط) .. وأهم من كل ذلك أن لا يسد عليه منفذ الهواء والنور (حرية التفكير والعلم والمعرفة) .
الإنسان : أتظن هذه أشياء من السهل توافرها فى كل حين ؟!
الأرض : ولمَ لا ؟
الإنسان : هناك ظروف وموانع تمنع ؟؟
الأرض : تمنع ماذا ؟
الإنسان : لا داعى لأن تعرف .. وأظن أنك تعبت من طول الحديث .. ويحسن أن تسمح لى بالانصراف .. وشكراً لكَ على هذا الحديث الشيق .

السبت، 31 مارس 2012

التحول من الحكمة إلى الدوجما


فى البداية أنوه القارئ بإطلاق الخيال ، والتحرر والتجرد من الخبرات المكتسبة عن المجتمع...

 تتبعت المسار التاريخى للأديان بداية من تعدد الآلهة فى الحضارات القديمة الأنثوية .. إلى فكرة التوحيد والمطلق بداية من اليهودية محاولاً معرفة جذور الحرب من أجل المقدس وفرض المعتقد .. الحروب التى بدأت مع ظهور الأديان السماوية وتجلت بوضوح ..
حروب الرب يهوه .. مذابح المسيحة لإعلاء الصليب .. الغزوات الإسلامية لنشر الدين القويم ..


* لنتتبع معاً جذور التحول من الحكمة إلى الدوجما :
كانت عشتار أول مقدس .. قدست باعتبارها أصل ومنبع الحياة ، وواهبة كل شئ فى حضارتى سومر وبابل ..
وفى مصر كانت إيزيس الأم العظمى .. رمز القوة الخالقة الخفية التى أوجدت الأرض وكل ما عليها من الكائنات الحية .. وأوجدت ذلك الحنو الأموى الذى يحيط بالحياة الجديدة حتى يتم نموها مهما كلفها من جهد وعناء .. 
وكانت ترمز فى مصر كما كانت ترمز كالى وإستير وسيبيل فى آسية .. كما ترمز دمتر فى بلاد اليونان وسيريز فى روما .. كما ترمز هذه كلها إلى ما للعنصر النسوى من أسبقيته وأفضليته .
إذ يمكننا أن نلحظ بأنها كانت جميعها مجتمعات أنثوية .. تقدس المرأة باعتبارها أصل الكون ومنبع الحكمة .

* منعطف التحول :
كانت  التوراة منعطفاً كبيراً نحو تدمير الأنثى .. حيث كانت أول نص يجعل من الذكر أصل الحياة .. ونرى ذلك متجلياً بوضوح فى سفر التكوين ، 
حواء استلت من آدم .. ثم بعد ذلك أغوته مع الحية التى هى رمز الأنثى فى الحضارات القديمة وأخرجته من جنة عدن .. 

* المسيحية ومحاولة تصحيح المسار :
جاءت المسيحية محاولةً لإحياء فكرة الأنثى المقدسة .. فالسيد المسيح أتى من أنثى مقدسة (مريم العذراء) .. التى تلد بدون جماع .. جاءت المسيحية لتعيد البشرية إلى رشدها .. بإحياء فكرة الأصول النسوية للكون .. وإيجاد الإله من امرأة عذراء .

* الإسلام والقضاء على الأنثى :
أتى الإسلام وقضى على أى محاولة لعودة الأنثى إلى عرشها .. وتبنى فكرة الإله والمجتمع الذكورى ..  وأحيا الفكرة التى بدأتها اليهودية .. 

* والسؤال : ما علاقة كل ما ورد فى المقال بالعنوان ؟ 
ج/ فى رأيى أن التحول الذكورى للمجتمعات بداية من اليهودية وما سبقها بقليل أدى إلى ظهور الديانات الذكورية الدوجماطيقية .. وفقاً لطبيعة المجتمعات .. المجتمعات الذكورية تنتج بالضرورة ديانان ذكورية دوجماطيقية .. متوهمة بامتلاك الحقيقة المطلقة .. تمارس العنف .. عدوانية .. أنها طبيعة الرجل . 

المصادر :
بعض من أجزاء "قصة الحضارة" لـ "ول ديورانت"